فصل: تاج الدين عبد الوهاب بن خلف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة

استهلت وسلطان البلاد الشامية والمصرية الظاهر بيبرس، وعلى الشام نائبه آقوش النجيبي، وقاضي دمشق ابن خلكان والوزير بها عز الدين بن وداعة، وليس للناس خليفة، وإنما تضرب السكة باسم المستنصر الذي قتل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/275‏)‏

 ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس

أحمد بن الأمير أبي على القبي ابن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن الإمام المستظهر بالله أحمد العباسي الهاشمي‏.‏

لما كان ثاني المحرم وهو يوم الخميس، جلس السلطان الظاهر والأمراء في الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجاء الخليفة الحاكم بأمر الله راكباً حتى نزل عند الإيوان، وقد بسط له إلى جانب السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه، ثم قرئ نسبه على الناس ثم أقبل عليه الظاهر بيبرس فبايعه وبايعه الناس بعده، وكان يوماً مشهوداً‏.‏

فلما كان يوم الجمعة ثانيه خطب الخليفة بالناس فقال في خطبته‏:‏

الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً ظهيراً، وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً، أحمده على السراء والضراء، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء، وأستنصره على دفع الأعداء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وأئمة الإقتداء، لا سيما الأربعة، وعلي العباس كاشف غمه أبي السادة الخلفاء وعلى بقية الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين‏.‏

أيها الناس اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب الجرائم، فلو شاهدتم أعداء الإسلام لما دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال وقتلوا الرجال والأطفال، وسبوا الصبيان والبنات، وأيتموهم من الآباء والأمهات، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وعلت الصيحات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه‏.‏

فشمروا عباد الله عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين‏.‏

وهذا السلطان الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، وأصبحت البيعة بهمته منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يروعكم ما جرى فالحرب سجال والعاقبة للمتقين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/276‏)‏

والدهر يومان والأجر للمؤمنين، جمع الله على الهدى أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، واستغفر الله لي ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم‏.‏

ثم خطب الثانية ونزل فصلى‏.‏

وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له وضربت السكة باسمه‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ فخطب له بجامع دمشق وسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة‏.‏

وهذه الخليفة هو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولم يل الخلافة من بني العباس من ليس والده وجده خليفة بعد السفاح والمنصور سوى هذا، فأما من ليس والده خليفة فكثير منهم المستعين أحمد بن محمد ابن المعتصم، والمعتضد بن طلحة بن المتوكل، والقادر بن إسحاق بن المقتدر، والمقتدي بن الذخيرة ابن القائم بأمر الله‏.‏

 ذكر أخذ الظاهر الكرك وإعدام صاحبها

ركب الظاهر من مصر في العساكر المنصورة قاصداً ناحية بلاد الكرك، واستدعى صاحبها الملك المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل، فلما قدم عليه بعد جهد أرسله إلى مصر معتقلاً فكان آخر العهد به، وذلك أنه كاتب هولاكو وحثه على القدوم إلى الشام مرة أخرى، وجاءته كتب التتار بالثبات ونيابة البلاد، وأنهم قادمون عليه عشرون ألفاً لفتح الديار المصرية‏.‏

وأخرج السلطان فتاوى الفقهاء بقتله وعرض ذلك على ابن خلكان، وكان قد استدعاه من دمشق، وعلى جماعة من الأمراء، ثم سار فتسلم الكرك يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى ودخلها يومئذ في أبهة الملك، ثم عاد إلى مصر مؤيداً منصوراً‏.‏

وفيها قدمت رسل بركه خان إلى الظاهر يقول له‏:‏ قد علمت محبتي للإسلام، وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين، فاركب أنت من ناحية حتى آتيه أنا من ناحية حتى نصطلمه أو نخرجه من البلاد وأعطيك جميع ما كان بيده من البلاد، فاستصوب الظاهر هذا الرأي وشكره وخلع على رسله وأكرمهم‏.‏

وفيها زلزلت الموصل زلزلة عظيمة وتهدمت أكثر دورها، وفي رمضان جهز الظاهر صناعاً وأخشاباً وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حريقه فطيف بتلك الأخشاب والآلات بمصر فرحة وتعظيماً لشأنها‏.‏

ثم ساروا بها إلى المدينة النبوية، وفي شوال سار الظاهر إلى الإسكندرية فنظر في أحوالها وأمورها، وعزل قاضيها وخطيبها ناصر الدين أحمد بن المنير وولى غيره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/277‏)‏

وفيها التقى بركه خان وهولاكو ومع كل واحد جيوش كثيرة فاقتتلوا فهزم الله هولاكو هزيمة فظيعة وقتل أكثر أصحابه وغرق أكثر من بقي وهرب هو في شرذمة يسيرة ولله الحمد‏.‏

ولما نظر بركه خان كثرة القتلى قال‏:‏ يعز علي أن يقتل المغول بعضهم بعضاً ولكن كيف الحيلة فيمن غير سنة جنكيز خان ثم أغار بركه خان على بلاد القسطنطينية فصانعه صاحبها وأرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركه خان، وقد أقام التركي بحلب خليفة آخر لقبه بالحاكم، فلما اجتاز به المستنصر سار معه إلى العراق واتفقا على المصلحة وإنفاذ الحاكم المستنصر لكونه أكبر منه ولله الحمد‏.‏

ولكن خرج عليهما طائفة من التتار ففرقوا شملهما وقتلوا خلقاً ممن كان معهما، وعدم المستنصر وهرب الحاكم مع الأعراب‏.‏

وقد كان المستنصر هذا فتح بلداناً كثيرة في مسيرة من الشام إلى العراق، ولما قاتله بهادر على شحنة بغداد كسره المستنصر وقتل أكثر أصحابه، ولكن خرج كمين من التتار نجدة فهرب العربان والأكراد الذين كانوا مع المستنصر وثبت هو في طائفة ممن كان معه من الترك فقتل أكثرهم وفقد هو من بينهم‏.‏

ونجا الحاكم في طائفة، وكانت الوقعة في أول المحرم من سنة ستين وستمائة، وهذا هو الذي أشبه الحسين بن علي في توغله في أرض العراق مع كثرة جنودها، وكان الأولى له أن يستقر في بلاد الشام حتى تتمهد له الأمور ويصفو الحال ولكن قدر الله وما شاء فعل‏.‏

وجهز السلطان جيشاً آخر من دمشق إلى بلاد الفرنج فأغاروا وقتلوا وسبوا ورجعوا سالمين، وطلبت الفرنج منه المصالحة فصالحهم مدة لاشتغاله بحلب وأعمالها، وكان قد عزل في شوال قاضي مصر تاج الدين ابن بنت الأعز وولى عليها برهان الدين الخضر بن الحسين السنجاري‏.‏

وعزل قاضي دمشق نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين أحمد ابن شمس الدين بن هبة الله بن سني الدولة، وولى عليها شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، وقد ناب في الحكم بالقاهرة مدة طويلة عن بدر الدين السنجاري‏.‏

وأضاف إليه مع القضاء نظر الأوقاف والجامع والمارستان، وتدريس سبع مدارس، العادلية والناصرية والغدراوية والفلكية والركنية والإقبالية والبهنسية، وقرئ تقليده يوم عرفة يوم الجمعة بعد الصلاة بالشباك الكمالي من جامع دمشق‏.‏

وسافر القاضي المعزول مرسماً عليه‏.‏

وقد تكلم فيه الشيخ أبو شامة وذكر أنه خان في وديعة ذهب جعلها فلوساً فالله أعلم‏.‏

وكانت مدة ولايته سنة وأشهراً‏.‏

وفي يوم العيد يوم السبت سافر السلطان إلى مصر، وقد كان رسول الإسماعيلية قدم على السلطان بدمشق يتهددونه ويتوعدونه، ويطلبون منه إقطاعات كثيرة، فلم يزل السلطان يوقع بينهم حتى استأصل شأفتهم واستولى على بلادهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/278‏)‏

وفي السادس والعشرين من ربيع الأول عمل عزاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي فاتح بيت المقدس وكان عمل هذا العزاء بقلعة الجبل بمصر، بأمر السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس، وذلك لما بلغهم أن هولاكو ملك التتار قتله‏.‏ وقد كان في قبضته منذ مدة، فلما بلغ هولاكو أن أصحابه قد كسروا بعين جالوت طلبه إلى بين يديه وقال له‏:‏

أنت أرسلت إلى الجيوش بمصر حتى جاؤوا فاقتتلوا مع المغول فكسروهم ثم أمر بقتله‏.‏

ويقال إنه اعتذر إليه وذكر له أن المصريين كانوا أعداءه وبينه وبينهم شنآن، فأقاله ولكنه انحطت رتبته عنده، وقد كان مكرماً في خدمته وقد وعده أنه إذا ملك مصر استنابه في الشام فلما كانت وقعة حمص في هذه السنة وقتل فيها أصحاب هولاكو مع مقدمهم بيدرة غضب وقال له‏:‏

أصحابك في العزيزية أمراء أبيك، والناصرية من أصحابك قتلوا أصحابنا، ثم أمر بقتله‏.‏

وذكروا في كيفية قتله أنه رماه بالنشاب وهو واقف بين يديه يسأله العفو فلم يعف عنه حتى قتله وقتل أخاه شقيقه الظاهر علياً، وأطلق ولديهما العزيز محمد بن الناصر و زبالة بن الظاهر، وكانا صغيرين من أحسن أشكال بني آدم‏.‏

فأما العزيز فإنه مات هناك في أسر التتار، وأما زبالة فإنه سار إلى مصر وكان أحسن من بها، وكانت أمه أم ولد يقال له وجه القمر، فتزوجها بعض الأمراء بعد أستاذها، ويقال إن هولاكو لما أراد قتل الناصر أمر بأربع من الشجر متباعدات بعضها عن بعض فجمعت رؤوسها بحبال ثم ربط الناصر في الأربعة بأربعته ثم أطلقت الحبال فرجعت كل واحدة إلى مركزها بعضو من أعضائه رحمه الله‏.‏

وقد قيل إن ذلك كان في الخامس والعشرين من شوال في سنة ثمان وخمسين، وكان مولده في سنة سبع وعشرين بحلب، ولما توفي أبوه سنة أربع وثلاثين بويع بالسلطنة بحلب وعمره سبع سنين، وقام بتدبير مملكته جماعة من مماليك أبيه، وكان الأمر كله عن رأي جدته أم خاتون بنت العادل أبي بكر بن أيوب، فلما توفيت في سنة أربعين وستمائة استقل الناصر بالملك، وكان جيد السيرة في الرعية محبباً إليهم، كثير النفقات، ولا سيما لما ملك دمشق مع حلب وأعمالها وبعلبك وحران وطائفة كبيرة من بلاد الجزيرة‏.‏

فيقال إن سماطه كان كل يوم يشتمل أربعمائة رأس غنم سوى الدجاج والإوز وأنواع الطير، مطبوخاً بأنواع الأطعمة والقلويات غير المشوي والمقلي، وكان مجموع ما يغرم على السماط في كل يوم عشرين ألفاً وعامته يخرج من يديه كما هو كأنه لم يؤكل منه شيء، فيباع على باب القلعة بأرخص الأثمان حتى إن كثيراً من أرباب البيوت كانوا لا يطبخون في بيوتهم شيئاً من الطرف والأطعمة بل يشترون برخص ما لا يقدرون على مثله إلا بكلفة ونفقة كثيرة، فيشتري أحدهم بنصف درهم أو بدرهم ما لا يقدر عليه إلا بخسارة كثيرة، ولعله لا يقدر على مثله‏.‏

وكانت الأرزاق كثيرة دارة في زمانه وأيامه، وقد كان خليعاً ظريفاً حسن الشكل أديباً يقول الشعر المتوسط القوي بالنسبة إليه، وقد أورد له الشيخ قطب الدين في الذيل قطعة صالحة من شعره وهي رائقة لائقة‏.‏

قتل ببلاد المشرق ودفن هناك، وقد كان أعد له تربة برباطه الذي بناه بسفح قاسيون فلم يقدر دفنه بها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/279‏)‏

والناصرية البرانية بالسفح من أغرب الأبنية وأحسنها بنياناً من الموكد المحكم قبلي جامع الأفرم، وقد بني بعدها بمدة طويلة، وكذلك الناصرية الجوانية التي بناها داخل باب الفراديس هي من أحسن المدارس، وبني الخان الكبير تجاه الزنجاري وحولت إليه دار الطعم، وقد كانت قبل ذلك غربي القلعة في اصطبل السلطان اليوم رحمه الله‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن محمد بن عبد الله

ابن محمد بن يحيى بن سيد الناس أبو بكر اليعمري الأندلسي الحافظ ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة وسمع الكثير، وحصل كتباً عظيمة، وصنف أشياء حسنة، وختم به الحافظ في تلك البلاد، توفي بمدينة تونس في سابع عشرين رجب من هذه السنة‏.‏

أيضاً‏:‏

 عبد الرزاق بن عبد الله

ابن أبي بكر بن خلف عز الدين أبو محمد الرسعني المحدث المفسر، سمع الكثير، وحدث وكان من الفضلاء والأدباء، له مكانة عند البدر لؤلؤ صاحب الموصل، وكان له منزلة أيضا عند صاحب سنجار، وبها توفي في ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر وقد جاوز السبعين، ومن شعره‏:‏

نعب الغراب فدلنا بنعيبه * أن الحبيب دنا أوان مغيبه

يا سائلي عن طيب عيشي بعدهم * جدلي بعيش ثم سل عن طيبه

 محمد بن أحمد بن عنتر السلمي الدمشقي

محتسبها، ومن عدولها وأعيانها، وله بها أملاك وأوقاف، توفي بالقاهرة ودفن بالمقطم‏.‏

 علم الدين أبو القاسم بن أحمد

ابن الموفق بن جعفر المرسي البورقي اللغوي النحوي المقري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/280‏)‏

شرح الشاطبية شرحاً مختصراً، وشرح المفصل في عدة مجلدات، وشرح الجزولية وقد اجتمع بمصنفها وسأله عن بعض مسائلها، وكان ذا فنون عديدة حسن الشكل مليح الوجه له هيئة حسنة وبزة وجمال، وقد سمع الكندي وغيره‏.‏

 الشيخ أبو بكر الدينوري

وهو باني الزاوية بالصالحية، وكان له فيها جماعة مريدون يذكرون الله بأصوات حسنة طيبة رحمه الله‏.‏

مولد الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ الإسلام

قال الشيخ شمس الدين الذهبي‏:‏ وفي هذه السنة ولد شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الحليم بن أبي القاسم بن تيمية الحراني بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة‏.‏

 الأمير الكبير مجير الدين

أبو الهيجاء عيسى بن حثير الأزكشي الكردي الأموي، كان من أعيان الأمراء وشجعانهم، وله يوم عين جالوت اليد البيضاء في كسر التتار، ولما دخل الملك المظفر إلى دمشق بعد الوقعة جعله مع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائباً على دمشق مستشاراً ومشتركاً في الرأي والمراسيم والتدبير‏.‏

وكان يجلس معه في دار العدل وله الإقطاع الكامل والرزق الواسع، إلى أن توفي في هذه السنة‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ ووالده الأمير حسام الدين توفي في جيش الملك الأشرف ببلاد الشرق هو والأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب‏.‏

قلت وولده الأمير عز الدين تولى هذه المدينة أعني دمشق مدة، وكان مشكور السيرة وإليه ينسب درب ابن سنون بالصاغة العتيقة، فيقال درب ابن أبي الهيجاء لأنه كان يسكنه وكان يعمل الولاية فيه فعرف به‏.‏

وبعد موته بقليل كان فيه نزولنا حين قدمنا من حوران وأنا صغير فختمت فيه القرآن، ولله الحمد‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وستين وستمائة

استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، والسلطان الظاهر بيبرس، ونائب دمشق الأمير جمال الدين آقوش النجيبي وقاضيه ابن خلكان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/281‏)‏

وفيها‏:‏ في أولها كملت المدرسة الظاهرية التي بين القصرين، ورتب لتدريس الشافعية بها القاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين، ولتدريس الحنفية مجد الدين عبد الرحمن بن كمال الدين عمر ابن العديم، ولمشيخة الحديث بها الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الحافظ الدمياطي‏.‏

وفيها‏:‏ عمر الظاهر بالقدس خاناً ووقف عليه أوقافاً للنازلين به من إصلاح نعالهم وأكلهم وغير ذلك، وبنى به طاحوناً وفرناً‏.‏

وفيها‏:‏ قدمت رسل بركه خان إلى الملك الظاهر ومعهم الأشرف ابن الشهاب غازي بن العادل، ومعهم من الكتب والمشافهات ما فيه سرور للإسلام وأهله مما حل بهولاكو وأهله‏.‏

وفي جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة عماد الدين بن الحرستاني، وحضر عنده القاضي ابن خلكان وجماعة من القضاة والأعيان، وذكر خطبة كتابه المبعث، وأورد الحديث بسنده ومتنه وذكر فوائد كثيرة مستحسنه، ويقال أنه لم يراجع شيئاً حتى ولا درسه ومثله لا يستكثر ذلك عليه والله أعلم‏.‏

وفيها‏:‏ قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو، فنظر في الأوقاف وأحوال البلد، وأخذ كتباً كثيرة من سائر المدارس وحولها إلى رصده الذي بناه بمراغة، ثم انحدر إلى واسط والبصرة‏.‏

 وفيها كانت وفاة‏:‏

 الملك الأشرف

موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، كانوا ملوك حمص كابراً عن كابر إلى هذا الحين، وقد كان من الكرماء الموصوفين، وكبراء الدماشقة المترفين، معتنياً بالمأكل والمشرب والملابس والمراكب وقضاء الشهوات والمآرب وكثرة التنعم بالمغاني والحبائب، ثم ذهب ذلك كأن لم يكن أو كأضغاث أحلام، أو كظل زائل، وبقيت تبعاته وعقوباته وحسابه وعاره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/282‏)‏

ولما توفي وجدت له حواصل من الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة، وصار ملكه إلى الدولة الظاهرية، وتوفي معه في هذه السنة الأمير حسام الدين الجوكندار نائب حلب‏.‏

وفيها‏:‏ كانت كسرة التتار على حمص وقتل مقدمهم بيدرة بقضاء الله وقدره الحسن الجميل‏.‏

وفيها‏:‏ توفي الرشيد العطار المحدث بمصر‏.‏ والذي حضر مسخرة الملك الأشرف موسى بن العادل والتاجر المشهور الحاج نصر بن دس وكان ملازماً للصلوات بالجامع، وكان من ذوي اليسار والخير‏.‏

 الخطيب عماد الدين بن الحرستاني

عبد الكريم بن جمال الدين عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني، كان خطيباً بدمشق وناب في الحكم عن أبيه في الدولة الأشرفية، بعد ابن الصلاح إلى أن توفي في دار الخطابة في تاسع عشرين جمادى الأولى، وصلي عليه بالجامع ودفن عند أبيه بقاسيون، وكانت جنازته حافلة، وقد جاوز الثمانين بخمس سنين، وتولى بعده الخطابة والغزالية ولده مجد الدين، وباشر مشيخة دار الحديث الشيخ شهاب الدين أبو شامة‏.‏

 محيي الدين محمد بن أحمد بن محمد

ابن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الحافظ المحدث الأنصاري الشاطبي أبو بكر المغربي، عالم فاضل دين أقام بحلب مدة، ثم اجتاز بدمشق قاصداً مصر‏.‏

وقد تولى دار الحديث الكاملية بعد زكي الدين عبد العظيم المنذري، وقد كان له سماع جيد ببغداد وغيرها من البلاد، وقد جاوز السبعين‏.‏

 الشيخ الصالح محمد بن منصور بن يحيى الشيخ أبي القاسم القباري الاسكندراني

كان مقيماً بغيط له يقتات منه ويعمل فيه ويبدره، ويتورع جداً ويطعم الناس من ثماره‏.‏

توفي في سادس شعبان بالإسكندرية وله خمس وسبعون سنة، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويردع الولاة عن الظلم فيسمعون منه ويطيعونه لزهده، وإذا جاء الناس إلى زيارته إنما يكلمهم من طاقة المنزل وهم راضون منه بذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/283‏)‏

ومن غريب ما حكى عنه أنه باع دابة له من رجل، فلما كان بعد أيام جاء الرجل الذي اشتراها فقال‏:‏

يا سيدي إن الدابة التي اشتريتها منك لا تأكل عندي شيئاً، فنظر إليه الشيخ فقال له ماذا تعاني من الأسباب‏؟‏ فقال رقاص عند الوالي، فقال له‏:‏

إن دابتنا لا تأكل الحرام، ودخل منزله فأعطاه دراهم ومعها دراهم كثيرة قد اختلطت بها فلا تميز، فاشترى الناس من الرقاص كل درهم بثلاثة لأجل البركة، وأخذ دابته‏.‏

ولما توفي ترك من الأساس ما يساوي خمسين درهماً فبيع بمبلغ عشرين ألفاً‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ وفي الرابع والعشرين من ربيع الآخر توفي‏:‏

 محيي الدين عبد الله بن صفي الدين

إبراهيم بن مرزوق بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية رحمه الله تعالى‏.‏

قلت‏:‏ داره هذه هي التي جعلت مدرسة للشافعية وقفها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي التي يقال لها النجيبية تقبل الله منه‏.‏

وبها إقامتنا جعلها الله داراً تعقبها دار القرار في الفوز العظيم‏.‏ وقد كان أبو جمال الدين النجيبي وهو صفي الدين وزير الملك الأشرف، وملك من الذهب ستمائة ألف دينار خارجاً عن الأملاك والأثاث والبضائع، وكانت وفاة أبيه بمصر سنة تسع وخمسين، ودفن بتربته عند المقطم‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ وجاء الخبر من مصر بوفاة الفخر عثمان المصري المعروف بعين غين‏.‏

وفي ثامن عشر ذي الحجة توفي الشمس الوبار الموصلي، وكان قد حصل شيئاً من عمل الأدب، وخطب بجامع المزة مدة فأنشدني لنفسه في الشيب وخصابه قوله‏:‏

وكنت وإياها مذ اختط عارضي * كروحين في جسم وما نقضت عهدا

فلما أتاني الشيب يقطع بيننا * توهمته سيفاً فألبسته غمدا

وفيها استحضر الملك هولاكو خان الزين الحافظي وهو سليمان بن عامر العقرباني المعروف بالزين الحافظي، وقال له‏:‏ قد ثبت عندي خيانتك، وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالأ على المسلمين وآذاهم ودل على عوراتهم، حتى سلطهم الله عليه بأنواع القعوبات والمثلات ‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 129‏]‏‏.‏

ومن أعان ظالماً سلط عليه، فإن الله ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين جميعاً، نسأل الله العافية من انتقامه وغضبه عقابه وشر عباده‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمائة

فيها جهز السلطان الظاهر عسكراً جماً كثيفاً إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة، فلما سمعوا بالعساكر قد أقبلت ولو مدبرين، فطابت تلك الناحية وأمنت تلك المعاملة، وقد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد والخوف، فعمرت وأمنت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/284‏)‏

وفيها‏:‏ خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الفرنج ففتح قيسارية في ثلاث ساعات من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يوم نزوله عليها، وتسلم قلعتها في يوم الخمس الآخر خامس عشرة فهدمها وانتقل إلى غيرها، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف وقتل من بها من الفرنج وجاءت البريدية بذلك‏.‏

فدقت البشائر في بلاد المسلمين وفرحوا بذلك فرحاً شديداً‏.‏

وفيها‏:‏ ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألفاً، وأسروا عشرة آلاف، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين بلدة منها برنس، وأشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وكانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثنتين وستين‏.‏

وفي رمضان من هذه السنة شرع في تبليط باب البريد من باب الجامع إلى القناة التي عند الدرج وعمل في الصف القبلي منها بركة وشاذروان‏.‏

وكان في مكانها قناة من القنوات ينتفع الناس بها عند انقطاع نهر ماناس فغيرت وعمل الشاذروان، ثم غيرت وعمل مكانها دكاكين‏.‏

وفيها استدعى الظاهر نائبه على دمشق الأمير آقوش، فسار إليه سامعاً مطيعاً، وناب عنه الأمير علم الدين الحصني حتى عاد مكرماً معزوزاً‏.‏

وفيها‏:‏ ولي الظاهر قضاة من بقية المذاهب في مصر مستقلين بالحكم يولون من جهتهم في البلدان أيضاً كما يولى الشافعي، فتولى قضاء الشافعية التاج عبد الوهاب ابن بنت الأعز، والحنفية شمس الدين سليمان، والمالكية شمس الدين السبكي، والحنابلة شمس الدين محمد المقدسي، وكان ذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة بدار العدل‏.‏

وكان سبب ذلك كثرة توقف القاضي ابن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعي، وتوافق غيره من المذاهب، فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على السلطان بأن يولي من كل مذهب قاضياً مستقلاً يحكم بمقتضى مذهبه، فأجابه إلى ذلك، وكان يحب رأيه ومشورته، وبعث بأخشاب ورصاص وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل منبراً فنصب هنالك‏.‏

وفيها‏:‏ وقع حريق عظيم ببلاد مصر واتهم النصارى فعقابهم الملك الظاهر عقوبة عظيمة‏.‏

وفيها‏:‏ جاءت الأخبار بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه في سابع ربيع الآخر بمرض الصرع بمدينة مراغة، ودفن بقلعة تلا وبنيت عليه قبة واجتمعت التتار على ولده أبغا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/285‏)‏

فقصده الملك بركة خان فكسره وفرق جموعه، ففرح الملك الظاهر بذلك، وعزم على جمع العساكر ليأخذ بلاد العراق فلم يتمكن من ذلك لتفرق العساكر في الإقطاعات‏.‏

وفيها‏:‏ في ثاني عشر شوال سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد محمد بركه خان، وأخذ له البيعة من الأمراء وأركبه ومشى الأمراء بين يديه، وحمل والده الظاهر الغاشية بنفسه والأمير بدر الدين بيسرى حامل الخبز، والقاضي تاج الدين والوزير بهاء الدين ابن حنا راكبان وبين يديه، وأعيان الأمراء ركبان وبقيتهم مشاة حتى شقوا القاهرة وهم كذلك‏.‏

وفي ذي القعدة ختن الظاهر ولده الملك السعيد المذكور، وختن معه جماعة من أولاد الأمراء وكان يوماً مشهوداً‏.‏

 وفيها توفي‏:‏

 خالد بن يوسف بن سعد النابلسي

الشيخ زين الدين ابن الحافظ شيخ دار الحديث النورية بدمشق، كان عالماً بصناعة الحديث حافظاً لأسماء الرجال، وقد اشتغل عليه في ذلك الشيخ محيي الدين النووي وغيره، وتولى بعده مشيخة دار الحديث النورية الشيخ تاج الدين الفزاري، كان الشيخ زين الدين حسن الأخلاق فكه النفس كثير المزاح على طريقة المحدثين‏.‏

رحل إلى بغداد واشتغل بها، وسمع الحديث وكان فيه خير وصلاح وعبادة، وكانت جنازته حافلة ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله‏.‏

 الشيخ أبو القاسم الحواري

هو أبو القاسم يوسف ابن أبي القاسم بن عبد السلام الأموي الشيخ المشهور صاحب الزاوية بحواري، توفي ببلده، وكان خيراً صالحاً له أتباع وأصحاب يحبونه، وله مريدون كثير من قرايا حوران في الجبل والبثنية وهم حنابلة لا يرون الضرب بالدف بل بالكف، وهم أمثل من غيرهم‏.‏

 القاضي بدر الدين الكردي السنجاري

الذي باشر القضاء بمصر مراراً توفي بالقاهرة‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ وسيرته معروفة في أخذ الرشا من قضاة الأطراف والمتحاكمين إليه، إلا أنه كان جواداً كريماً صودر هو وأهله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/286‏)‏

 ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة

استهلت و الخليفة الحاكم العباسي والسلطان الملك الظاهر وقضاة مصر أربعة‏.‏

وفيها‏:‏ جعل بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب قاض كما فعل بمصر عام أول، ونائب الشام آقوش النجيبي، وكان قاضي قضاة الشافعية ابن خلكان، والحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطا، والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر، والمالكية عبد السلام بن الزواوي، وقد امتنع من الولاية فألزم بها حتى قبل ثم عزل نفسه، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافاً ولا يأخذ جامكية على أحكامه‏.‏

وقال‏:‏ نحن في كفاية فأعفى من ذلك أيضاً رحمهم الله‏.‏ وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فعل في العام الأول بمصر كما تقدم، واستقرت الأحوال على هذا المنوال‏.‏

وفيها‏:‏ كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة باب البريد وعمل له شاذروان وقبة وأنابيب يجري منها الماء إلى جانب الدرج الشمالية‏.‏

وفيها‏:‏ نازل ا لظاهر صفد واستدعى بالمنجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها، ونزل أهلها على حكمه، فتسلم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال، وقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقد افتتحها الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب في شوال أيضاً في أربع وثمانين وخمسمائة، ثم استعادها الفرنج فانتزعها الظاهر منهم قهراً في هذه السنة ولله الحمد‏.‏

وكان السلطان الظاهر في نفسه منهم شيء كثير فلما توجه إلى فتحها طلبوا الأمان، فأجلس على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري، وجاءت رسلهم فخلعوه وانصرفوا ولا يشعرون أن الذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير والحرب خدعة‏.‏

فلما خرجت الاسبتارية والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة، فأمكن الله منهم فأمر السلطان بضرب رقابهم عن آخرهم، وجاءت البريدية إلى البلاد بذلك، فدقت البشائر وزينت البلاد، ثم بث السرايا يميناً وشمالاً في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصناً، وأسروا قريباً من ألف أسير ما بين امرأة وصبي، وغنموا شيئاً كثيراً‏.‏

وفيها‏:‏ قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر واسمه علي، فأكرم وأنزل بالدار الأسدية تجاه العزيزية، وقد كان أسيراً في أيدي التتار، فلما كسرهم بركه خان تخلص من أيديهم وسار إلى دمشق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/287‏)‏

ولما فتح السلطان صفداً أخبره بعض من كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب أسرهم أن أهل قرية فأرا كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم، فعند ذلك ركب السلطان قاصداً فأرا فأوقع بهم بأساً شديداً وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسر من أبنائهم ونسائهم أخذاً بثأر المسلمين جزاه الله خيراً‏.‏

ثم أرسل السلطان جيشاً هائلاً إلى بلاد سيس، فجاسوا خلال الديار وفتحوا سيس عنوة وأسروا ابن ملكها وقتلوا أخاه ونهبوها، وقتلوا أهلها وأخذوا بثار الإسلام وأهله منهم، وذلك أنهم كانوا أضر شيء على المسلمين زمن التتار، لما أخذوا مدينة حلب وغيرها أسروا من نساء المسلمين وأطفالهم خلقاً كثيراً‏.‏

ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن هولاكو فكبته الله وأهانه على يدي أنصار الإسلام، هو وأميره كتبغا، وكان وأخذ سيس يوم الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة، وجاءت الأخبار بذلك إلى البلاد وضربت البشائر‏.‏

وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان وبين يديه ابن صاحب سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة، والعساكر صحبته وكان يوماً مشهوداً‏.‏

ثم سار إلى مصر مؤيداً منصوراً، وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده، فقال السلطان لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر، فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر فتذلل له وتمسكن وخضع له، حتى أطلقه له، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن صاحب سيس‏.‏

وفيها‏:‏ عمر الظاهر الجسر المشهور بين قرارا ودامية، تولى عمارته الأمير جمال الذين محمد بن بهادر وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والأغوار، ولما تم بناؤه اضطرب بعض أركانه فقلق السلطان من ذلك وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جري الماء حينئذ‏.‏

فاتفق بإذن الله أن انسالت على النهر أكمة من تلك الناحية، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا ما يريدون، ثم عاد الماء كما كان وذلك بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أيد غدي بن عبد الله

الأمير جمال الدين العزيزي، كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملك الظاهر، لا يكاد الظاهر يخرج عن رأيه، وهو الذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاض على سبيل الاستقلال وكان متواضعاً لا يلبس محرماً، كريماً وقوراً رئيساً معظماً في الدولة، أصابته جراحة في حصار صفد فلم يزل مريضاً منها حتى مات ليلة عرفة، ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون من صلاحية دمشق رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/288‏)‏

 هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان

ملك التتار ابن ملك التتار، وهو والد ملوكهم، والعامة يقولون هولاوون مثل قلاوون، وقد كان هولاكو ملكاً جباراً فاجراً كفاراً لعنه الله‏.‏

قتل من المسلمين شرقاً وغرباً ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وسيجازيه على ذلك شر الجزاء، كان لا يتقيد بدين من الأديان، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصرت وكانت تفضل النصارى على سائر الخلق، وكان هو يترامى على محبة المعقولات، ولا يتصور منها شيئاً، وكان أهلها من أفراخ الفلاسفة لهم عنده وجاهة ومكانة، وإنما كانت همته في تدبير مملكته وتملك البلاد شيئاً فشيئاً، حتى أباده الله في هذه السنة‏.‏

وقيل في سنة ثلاث وستين ودفن في مدينة تلا، لا رحمه الله، وقام في الملك من بعده ولده أبغا خان وكان أبغا أحد إخوة عشرة ذكور، والله سبحانه أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة

في يوم الأحد ثاني المحرم توجه الملك الظاهر من دمشق إلى الديار المصرية وصحبته العساكر المنصورة، وقد استولت الدولة الإسلامية على بلاد سيس بكمالها، وعلى كثير من معاقل الفرنج في هذه السنة، وقد أرسل العساكر بين يديه إلى غزة، وعدل هو إلى ناحية الكرك لينظر في أحوالها، فلما كان عند بركة زيزي تصيد هنالك فسقط عن فرسه فانكسرت فخذه‏.‏

فأقام هناك أياماً يتداوى حتى أمكنه أن يركب في المحفة، وسار إلى مصر فبرأت رجله في أثناء الطريق فأمكنه الركوب وحده على الفرس‏.‏

ودخل القاهرة في أبهة عظيمة، وتجمل هائل، وقد زينت البلد، واحتفل الناس له احتفالاً عظيماً، وفرحوا بقدومه وعافيته فرحاً كثيراً، ثم في رجب منها رجع من القاهرة إلى صفد، وحفر خندقاً حول قلعتها وعمل فيه بنفسه وأمرائه وجيشه وأغار على ناحية عكا، فقتل وأسر وغنم وسلم وضرب لذلك البشائر بدمشق‏.‏

وفي ثاني عشر ربيع الأول صلى الظاهر بالجامع الأزهر الجمعة، ولم يكن تقام به الجمعة من زمن العبيديين إلى هذا الحين، مع أنه أول مسجد بني بالقاهرة، بناه جوهر القائد وأقام فيه الجمعة، فلما بنى الحاكم جامعه حول الجمعة منه إليه، وترك الأزهر لا جمعة فيه فصار في حكم بقية المساجد وشعث حاله وتغيرت أحواله، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الجمعة وأمر بعمارة جامع الحسينية وكمل في سنة سبع وستين كما سيأتي إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/289‏)‏

وفيها‏:‏ أمر الظاهر أن لا يبيت أحد من المجاورين بجامع دمشق فيه وأمر بإخراج الخزائن منه، والمقاصير التي كانت فيه، فكانت قريباً من ثلاثمائة، ووجدوا فيها قوارير البول والفرش والسجاجيد الكثيرة، فاستراح الناس والجامع من ذلك واتسع على المصلين‏.‏

وفيها‏:‏ أمر السلطان بعمارة أسوار صفد وقلعتها، وأن يكتب عليها‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ ‏{‏أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وفيها‏:‏ التقى أبغا ومنكوتمر الذي قام مقام بركه خان فكسره أبغا وغنم منه شيئاً كثيراً‏.‏

وحكى ابن خلكان فيما نقل من خط الشيخ قطب الدين اليونيني قال‏:‏ بلغنا أن رجلاً يدعى أبا سلامة من ناحية بصرى، كان فيه مجون واستهتار، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة، فقال‏:‏ والله لا أستاك إلا في المخرج - يعني دبره - فأخذ سواكاً فوضعه في مخرجه، ثم أخرجه فمكث بعده تسعة أشهر فوضع ولداً على صفة الجرذان له أربعة قوائم، ورأسه كرأس السمكة، وله دبر كدبر الأرنب‏.‏

ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت رأسه فمات، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين ومات في الثالث وكان يقول هذا الحيوان قتلني وقطع أمعائي، وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان، ومنهم من رأى ذلك الحيوان حياً، ومنهم من رآه بعد موته‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 السلطان بركه خان بن تولي بن جنكيز خان

وهو ابن عم هولاكو، وقد أسلم بركه خان هذا، وكان يحب العلماء والصالحين ومن أكبر حسناته كسره لهولاكو وتفريق جنوده، وكان يناصح الملك الظاهر ويعظمه ويكرم رسله إليه، ويطلق لهم شيئاً كثيراً، وقد قام في الملك بعده بعض أهل بيته وهو منكوتمر بن طغان بن بابو بن تولي بن جنكيز خان، وكان على طريقته ومنواله ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/290‏)‏

قاضي القضاة بالديار المصرية

 تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن بدر ابن بنت الأعز الشافعي، كان ديناً عفيفاً نزهاً لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقبل شفاعة أحد، وجمع له قضاء الديار المصرية بكمالها، والخطابة والحسبة ومشيخة الشيوخ، ونظر الأجياش، وتدريس الشافعي والصالحية وإمامة الجامع، وكان بيده خمسة عشر وظيفة، وباشر الوزارة في بعض الأوقات‏.‏

وكان السلطان يعظمه، والوزير ابن حنا يخاف منه كثيراً، وكان يحب أن ينكبه عند السلطان ويضعه فلا يستطيع ذلك، وكان يشتهي أن يأتي داره ولو عائداً، فمرض في بعض الأحيان فجاء القاضي عائداً، فقام إلى تلقيه لوسط الدار، فقال له القاضي‏:‏ إنما جئنا لعيادتك فإذا أنت سوي صحيح، سلام عليكم، فرجع ولم يجلس عنده‏.‏

وكان مولده في سنة أربع وستمائة، وتولى بعده القضاء تقي الدين بن رزين‏.‏

 واقف القيمرية الأمير الكبير ناصر الدين

أبو المعالي الحسين بن العزيز بن أبي الفوارس القيمري الكردي، كان من أعظم الأمراء مكانة عند الملوك، وهو الذي سلم الشام إلى الملك الناصر صاحب حلب، حين قتل توران شاه بن الصالح أيوب بمصر، وهو واقف المدرسة القيمرية عند مأذنة فيروز، وعمل على بابها الساعات التي لم يسبق إلى مثلها، ولا عمل على شكلها، يقال إنه غرم عليها أربعين ألف درهم‏.‏

 الشيخ شهاب الدين أبو شامة

عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس أبو محمد وأبو القاسم المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة شيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة، له اختصار تاريخ دمشق في مجلدات كثيرة، وله شرح الشاطبية، وله الرد إلى الأمر الأول، وله في المبعث وفي الأسراء، وكتاب ‏(‏الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية‏)‏، وله الذيل على ذلك، وله غير ذلك من الفوائد الحسان والغرائب التي كالعقيان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/291‏)‏

ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل، وذكر مرباه ومنشأه، وطلبه العلم، وسماعه الحديث، وتفقهه على الفخر بن عساكر وابن عبد السلام، والسيف الآمدي، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وما رئي له من المنامات الحسنة‏.‏

وكان ذا فنون كثيرة، أخبرني علم الدين البرزالي الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري، أنه كان يقول‏:‏ بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعاراً في أوقات، فمنها ما هو مستحلى، ومنها ما لا يستحلى، فالله يغفر لنا وله‏.‏

وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته، وعفته وأمانته، وكانت وفاته بسبب محنة ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان‏.‏

وقد كان اتهم برأي، الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم‏:‏ إنه كان مظلوماً ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان‏.‏

وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له‏:‏ ألا تشتكي عليهم، فلم يفعل وأنشأ يقول‏:‏

قلت لمن قال‏:‏ ألا تشتكي * ما قد جرى فهو عظيم جليل

يقيض الله تعالى لنا * من يأخذ الحق ويشفي الغليل

إذا توكلنا عليه كفى * فحسبنا الله ونعم الوكيل

وكأنهم عادوا إليه مرة ثانية وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان رحمه الله‏.‏

ودفن من يومه بمقابر دار الفراديس، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي‏.‏

وفي هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي، وقد ذيل على تاريخ أبي شامة لأن مولده في سنة وفاته، فحذا حذوه وسلك نحوه، ورتب ترتيبه وهذب تهذيبه‏.‏

وهذا أيضا ممن ينشد في ترجمته‏:‏

ما زلت تكتب في التاريخ مجتهداً * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا

ويناسب أن ينشد هنا‏:‏

إذا سيد منا خلا قام سيد * قؤول لما قال الكرام فعول

 ثم دخلت سنة ست وستين وستمائة

استهلت هذه السنة والحاكم العباسي خليفة، وسلطان البلاد الملك الظاهر، وفي أول جمادى الآخرة خرج السلطان من الديار المصرية بالعساكر المنصورة، فنزل على مدينة يافا بغتة فأخذها عنوة، وسلم إليه أهلها قلعتها صلحاً، فأجلاهم منها إلى عكا وخرب القلعة والمدينة وسار منها في رجب قاصداً حصن الشقيف‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/292‏)‏

وفي بعض الطريق أخذ من بعض بريدية الفرنج كتاباً من أهل عكا إلى أهل الشقيف يعلمونهم قدوم السلطان عليهم، ويأمرونهم بتحصين البلد، والمبادرة إلى إصلاح أماكن يخشى على البلد منها‏.‏ ففهم السلطان كيف يأخذ البلد وعرف من أين تؤكل الكتف، واستدعى من فوره رجلاً من الفرنج فأمره أن يكتب بدله كتاباً على ألسنتهم إلى أهل الشقيف، يحذر الملك من الوزير، والوزير من الملك، ويرمي الخلف بين الدولة‏.‏

فوصل إليهم فأوقع الله الخلف بينهم بحوله وقوته، وجاء السلطان فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع والعشرين من رجب وأجلاهم إلى صور، وبعث بالأنفال إلى دمشق، ثم ركب جريدة فيمن نشط من الجيش فشن الغارة على طرابلس وأعمالها، فنهب وقتل وأرعب وكر راجعاً مؤيداً منصوراً‏.‏

فنزل على حصن الأكراد لمحبته في المرج، فحمل إليه أهله من الفرنج الإقامات فأبى أن يقبلها وقال‏:‏ أنتم قتلتم جندياً من جيشي وأريد ديته مائة ألف دينار، ثم سار فنزل على حمص، ثم منها إلى حماة، ثم إلى فامية ثم سار منزلة أخرى، ثم سار ليلاً وتقدم العسكر فلبسوا العدة وساق حتى أحاط بمدينة إنطاكية‏.‏

 فتح إنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر

وهي مدينة عظيمة كثيرة الخير، يقال إن دور سورها اثنا عشر ميلاً، وعدد بروجها مائة وستة

وثلاثون برجاً، وعدد شرافاتها أربعة وعشرون ألف شرافة، كان نزوله عليها في مستهل شهر رمضان، فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطاً له عليهم فأبى أن يجيبهم وردهم خائبين وصمم على حصارها، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان بحول الله وقوته وتأييده ونصره، وغنم منها شيئاً كثيراً، وأطلق للأمراء أموالاً جزيلة، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقاً كثيراً، كل هذا في مقدار أربعة أيام‏.‏

وقد كان الأغريس صاحبها وصاحب طرابلس، من أشد الناس أذية للمسلمين، حين ملك التتار حلب وفر الناس منها، فانتقم الله سبحانه منه بمن أقامه للإسلام ناصراً وللصليب دامغاً كاسراً، ولله الحمد والمنة‏.‏

وجاءت البشارة بذلك مع البريدية، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة، وأرسل أهل بغراس حين سمعوا بقصد السلطان إليهم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يتسلمها، فأرسل إليهم أستاذ داره الأمير أقسنقر الفارقاني في ثالث عشر رمضان فتسلمها، وتسلموا حصوناً كبيرة وقلاعاً كثيرة، وعاد السلطان مؤيداً منصوراً، فدخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة في أبهة عظيمة وهيبة هائلة، وقد زينت له البلد ودقت له البشائر فرحاً بنصرة الإسلام على الكفرة الطغام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/293‏)‏

لكنه كان قد عزم على أخذ أراضي كثيرة من القرى والبساتين التي بأيدي ملاكها بزعم أنه قد كانت التتار استحوذوا عليها ثم استنقذها منهم، وقد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفية تفريعاً على أن الكفار إذا أخذوا شيئاً من أموال المسلمين ملكوها، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها، وهذه المسألة مشهورة وللناس فيها قولان أصحها‏:‏ قول الجمهور أنه يجب ردها إلى أصحابها لحديث العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين استرجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أخذها المشركون، استدلوا بهذا وأمثاله على أبي حنيفة‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إذا أخذ الكفار أموال المسلمين وأسلموا وهي في أيديهم استقرت على أملاكهم، واستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏

‏(‏‏(‏وهل ترك لنا عقيل من رباع‏)‏‏)‏‏.‏

وقد كان استحوذ على أملاك المسلمين الذين هاجروا وأسلم عقيل وهي في يده، فلم تنتزع من يده‏.‏

وأما إذا انتزعت من أيديهم قبل، فإنها ترد إلى أربابها لحديث العضباء، والمقصود أن الظاهر عقد مجلساً اجتمع فيه القضاة والفقهاء من سائر المذاهب وتكلموا في ذلك وصمم السلطان على ذلك اعتماداً على ما بيده من الفتاوى‏.‏

وخاف الناس من غائلة ذلك فتوسط الصاحب فخر الدين بن الوزير بهاء الدين بن أحنا، وكان قد درس بالشافعي بعد ابن بنت الأعز، فقال‏:‏ يا خوند أهل البلد يصالحونك عن ذلك كله بألف ألف درهم، تقسط كل سنة مائتي ألف درهم، فأبى إلا أن تكون معجلة بعد أيام، وخرج متوجهاً إلى الديار المصرية، وقد أجاب إلى تقسيطها، وجاءت البشارة بذلك‏.‏

ورسم أن يعجلوا من ذلك أربعمائة ألف درهم، وأن تعاد إليه الغلات التي كانوا قد احتاطوا عليها في زمن القسم والثمار، وكانت هذه الفعلة مما شعثت خواطر الناس على السلطان‏.‏

ولما استقر أمر أبغا على التتار أمر باستمرار وزيره نصير الدين الطوسي، واستناب على بلاد الروم البرواناه وارتفع قدره عنده جداً واستقل بتدبير تلك البلاد وعظم شأنه فيها‏.‏

وفيها‏:‏ كتب صاحب اليمن إلى الظاهر بالخضوع والانتماء إلى جانبه وأن يخطب له ببلاد اليمن، وأرسل إليه هدايا وتحفاً كثيرة، فأرسل إليه السلطان هدايا وخلعاً وسنجقاً وتقليداً‏.‏

وفيها‏:‏ رافع ضياء الدين بن الفقاعي للصاحب بهاء الدين بن الحنا عند الظاهر واستظهر عليه ابن الحنا، فسلمه الظاهر إليه، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات، فيقال إنه ضربه قبل أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمائة فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/294‏)‏

وفيها‏:‏ عمل البرواناه على قتل الملك علاء الدين صاحب قونية وأقام ولده غياث الدين مكانه وهو ابن عشر سنين وتمكن البرواناه في البلاد والعباد وأطاعه جيش الروم‏.‏

وفيها‏:‏ قتل الصاحب علاء الدين صاحب الديوان ببغداد ابن الخشكري النعماني الشاعر، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظيمة، منها أنه يعتقد فضل شعره على القرآن المجيد، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكري عنده وأنشده قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذن المؤذن فاستنصته الصاحب‏.‏

فقال ابن الخشكري‏:‏ يا مولانا أسمع شيئاً جديداً، وأعرض عن شيء له سنين، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنده عنه، ثم باسطه وأظهر أنه لا ينكر عليه شيئاً مما قال حتى استعلم ما عنده، فإذا هو زنديق، فلما ركب قال لإنسان معه استفرده في أثناء الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى إذا انقطع عن الناس قال لجماعة معه‏:‏ أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنوهم، ثم قال‏:‏ انزعوا عنه ثيابه فسلبوها وهو يخاصمهم، ويقول إنكم أجلاف، وإن هذا لعب بارد، ثم قال‏:‏ اضربوا عنقه، فتقدم إليه أحدهم فضربه بسيفه فأبان رأسه‏.‏

 وفيها توفي‏:‏

 الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال

شيخ رباط المرزبانية، كان صالحاً ورعاً زاهداً حكى عن نفسه قال‏:‏ كنت بمصر فبلغني ما وقع من القتل الذريع ببغداد في فتنة التتار، فأنكرت في قلبي وقلت‏:‏ يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له‏؟‏ فرأيت في المنام رجلاً وفي يده كتاب فأخذته فقرأته فإذا فيه هذه الأبيات فيها الإنكار عليّ‏:‏

دع الاعتراض فما الأمر لك * ولا الحكم في حركات الفلك

ولا تسأل الله عن فعله * فمن خاض لجة بحر هلك

إليه تصير أمور العباد * دع الاعتراض فما أجهلك

‏(‏ج/ص‏:‏ 13/295‏)‏

من الأعيان‏:‏

 الحافظ أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله

ابن عمر المعروف بابن قاضي اليمن، عن ثمان وستين سنة، ودفن بالشرف الأعلى، وكان قد تفرد بروايات جيدة وانتفع الناس به‏.‏

وفيها‏:‏ ولد الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية والخطيب القزويني‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وستين وستمائة

في صفر منها جدد السلطان الظاهر البيعة لولده من بعده الملك السعيد محمد بركه خان، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان تقليداً هائلاً بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم عنه أيضاً في حال حياته، ثم ركب السلطان في عساكره في جمادى الآخرة قاصداً الشام، فلم دخل دمشق جاءته رسل من أبغا ملك التتار معهم مكاتبات ومشافهات، فمن جملة المشافهات‏:‏ أنت مملوك بعت بسيواس فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض‏؟‏ واعلم أنك لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصت مني فاعمل لنفسك على مصالحة السلطان أبغا‏.‏

فلم يلتفت إلى ذلك ولا عده شيئاً بل أجاب عنه أتم جواب، وقال لرسله‏:‏ أعلموه أني من روائه بالمطالبة ولا أزال حتى أنتزع منه جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة، وسائر أقطار الأرض‏.‏

وفي جمادى الآخرة رسم السلطان الملك الظاهر بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطىء بالبلاد كلها، فنهبت الخواطىء وسلبن جميع ما كان معهن حتى يتزوجن، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقط المكوس التي كانت مرتبة على ذلك، وعوض من كان محالاً على ذلك بغيرها ولله الحمد والمنة‏.‏

ثم عاد السلطان بعساكره إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق عند خربة اللصوص تعرضت له امرأة فذكرت له أن ولدها دخل مدينة صور، وأن صاحبها الفرنجي غدر به وقتله وأخذ ماله، فركب السلطان وشن الغارة على صور فأخذ منها شيئاً كثيراً، وقتل خلقاً فأرسل إليه ملكها ما سبب هذا‏؟‏ فذكر له غدره ومكره بالتجار ثم قال السلطان لمقدم الجيوش‏:‏

أوهم الناس أني مريض وأني بالمحفة وأحضر الأطباء استوصف لي منهم ما يصلح لمريض به كذا وكذا، وإذا وصفوا لك فأحضر الأشربة إلى المحفة وأنتم سائرون‏.‏

ثم ركب السلطان على البريد وساق مسرعاً فكشف أحوال ولده وكيف الأمر بالديار المصرية بعده ثم عاد مسرعاً إلى الجيش فجلس في المحفة وأظهروا عافيته وتباشروا بذلك، وهذه جرأة عظيمة، وإقدام هائل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/296‏)‏

وفيها حج السلطان الملك الظاهر وفي صحبته الأمير بدر الدين الخزندار، وقاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي، وفخر الدين بن لقمان، وتاج الدين بن الأثير ونحو من ثلاثمائة مملوك، وأجناد من الخلقة المنصورة، فسار على طريق الكرك ونظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبوية، فأحسن إلى أهلها ونظر في أحوالها، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيبها بيده‏.‏

ثم وقف بباب الكعبة فتناول أيدي الناس ليدخلوا الكعبة وهو بينهم، ثم رجع فرمى الجمرات ثم تعجل النفر فعاد على المدينة النبوية فزار القبر الشريف مرة ثانية على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين إلى يوم الدين‏.‏

ثم سار إلى الكرك فدخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة، وأرسل البشير إلى دمشق بقدومه سالماً، فخرج الأمير جمال الدين آقوش النجيبي نائبها ليتلقى البشير في ثاني المحرم، فإذا هو السلطان نفسه يسير في الميدان الأخضر، وقد سبق الجميع، فتعجب الناس من سرعة سيره وصبره وجلده، ثم ساق من فوره حتى دخل حلب في سادس المحرم ليتفقد أحوالها، ثم عاد إلى حماة ثم رجع إلى دمشق ثم سار إلى مصر، فدخلها يوم الثلاثاء ثالث صفر من السنة المقبلة رحمه الله‏.‏

وفي أواخر ذي الحجة هبت ريح شديدة أغرقت مائتي مركب في النيل، وهلك فيها خلق كثير، ووقع هناك مطر شديد جداً، أصاب الشام من ذلك صاعقة أهلكت الثمار، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفيها‏:‏ أوقع الله تعالى الخلف بين التتار من أصحاب أبغا وأصحاب ابن منكوتمر ابن عمه وتفرقوا واشتغلوا ببعضهم بعضاً، ولله الحمد‏.‏

وفيها‏:‏ خرج أهل حران منها وقدموا الشام، وكان فيهم شيخنا العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية صحبة أبيه وعمره ست سنين، وأخوه زين الدين عبد الرحمن وشرف الدين عبد الله، وهما أصغر منه‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله

الحلبي الصالحي، كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملوك، ثم عند الملك الظاهر، كان يستنيبه إذا غاب، فلما كانت هذه السنة أخذه معه وكانت وفاته بقلعة دمشق، ودفن بتربته بالقرب من اليغمورية، وخلف أموالاً جزيلة، وأوصى إلى السلطان في أولاده، وحضر السلطان عزاءه بجامع دمشق‏.‏‏(‏ج/ص‏:‏ 13/297‏)‏

 شرف الدين أبو الظاهر

محمد بن الحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية المصري، ولد سنة عشر وستمائة وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية مدة، وحدث وكان فاضلاً‏.‏

 القاضي تاج الدين أبو عبد الله

محمد بن وثاب بن رافع البجيلي الحنفي، درس وأفتى عن ابن عطاء بدمشق، ومات بعد خروجه من الحمام على مساطب الحمام فجأة ودفن بقاسيون‏.‏

 الطبيب الماهر شرف الدين أبو الحسن

علي بن يوسف بن حيدرة الرحبي شيخ الأطباء بدمشق، ومدرس الدخوارية عن وصية واقفها بذلك وله التقدمة في هذه الصناعة على أقرانه من أهل زمانه، ومن شعره قوله‏:‏

يساق بنو الدنيا إلى الحتف عنوةً * ولا يشعر الباقي بحالة من يمضي

كأنهم الأنعام في جهل بعضها * بمأثم من سفك الدماء على بعض

 الشيخ نصير الدين

المبارك بن يحيى بن أبي الحسن أبي البركات بن الصباغ الشافعي، العلامة في الفقه والحديث، درس وأفتى وصنف وانتفع به، وعمر ثمانين سنة، وكانت وفاته في حادي عشرة جمادى الأولى من هذه السنة، رحمه الله تعالى‏.‏

 الشيخ أبو الحسن

علي بن عبد الله بن إبراهيم الكوفي المقري النحوي الملقب بسيبويه، وكان فاضلاً بارعاً في صناعة النحو، توفي بمارستان القاهرة في هذه السنة عن سبع وستين سنة رحمه الله‏.‏ ومن شعره‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/298‏)‏

عذبت قلبي بهجر منك متصل * يا من هواه ضمير غير منفصل

فما زادني غير تأكيد صدك لي * فما عدولك من عطف إلى بدل

وفيها ولد شيخنا العلامة كمال الدين محمد بن علي الأنصاري بن الزملكاني شيخ الشافعية‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وستين وستمائة

في ثاني المحرم منها دخل السلطان من الحجاز على الهجن فلم يرع الناس إلا وهو في الميدان الأخضر يسير، ففرح الناس بذلك، وأراح الناس من تلقيه بالهدايا والتحف، وهذه كانت عادته، وقد عجب الناس من سرعة مسيره وعلو همته، ثم سار إلى حلب، ثم سار إلى مصر فدخلها في سادس الشهر مع الركب المصري، وكانت زوجته أم الملك السعيد في الحجاز هذه السنة، ثم خرج في ثالث عشر صفر هو وولده والأمراء إلى الإسكندرية فتصيد هنالك، وأطلق للأمراء الأموال الكثيرة والخلع، ورجع مؤيداً منصوراً‏.‏

وفي المحرم منها قتل صاحب مراكش أبو العلاء إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف الملقب بالواثق، قتله بنو مرين في حرب كانت بينه وبينهم بالقرب من مراكش‏.‏

وفي ثالث عشر ربيع الآخر منها وصل السلطان إلى دمشق في طائفة من جيشه، وقد لقوا في الطريق مشقة كثيرة من البرد والوحل، فخيم على الزنبقية وبلغه أن ابن أخت زيتون خرج من عكا يقصد جيش المسلمين، فركب إليه سريعاً فوجده قريباً من عكا فدخلها خوفاً منه‏.‏

وفي رجب تسلم نواب السلطان مصياف من الإسماعيلية، وهرب منها أميرهم الصارم مبارك بن الرضي، فتحيل عليه صاحب حماه حتى أسره وأرسله إلى السلطان فحبسه في بعض الأبرجة في القاهرة‏.‏

وفيها‏:‏ أرسل السلطان الدرابزينات إلى الحجرة النبوية، وأمر أن تقام حول القبر صيانة له، وعمل لها أبواباً تفتح وتغلق من الديار المصرية، فركب ذلك عليها‏.‏

وفيها‏:‏ استفاضت الأخبار بقصد الفرنج بلاد الشام، فجهز السلطان العساكر لقتالهم، وهو مع ذلك مهتم بالإسكندرية خوفاً عليها، وقد حصنها وعمل جسورة إليها إن دهمها العدو، وأمر بقتل الكلاب منها‏.‏

وفيها‏:‏ انقرضت دولة بني عبد المؤمن من بلاد المغرب، وكان آخرهم إدريس بن عبد الله بن يوسف صاحب مراكش، قتله بنو مرين في هذه السنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/299‏)‏

 من الأعيان‏:‏

 الصاحب زين الدين يعقوب بن عبد الله الرفيع

ابن زيد بن مالك المصري لمعروف بابن الزبيري كان فاضلاً رئيساً، وزر للملك المظفر قطز ثم للظاهر بيبرس في أول دولته، ثم عزله وولى بهاء الدين ابن الحنا، فلزم منزله حتى أدركته منيته في الرابع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، وله نظم جيد‏.‏

 الشيخ موفق الدين

أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي الطبيب المعروف بابن أبي أصيبعة له تاريخ الأطباء في عشر مجلدات لطاف، وهو وقف بمشهد ابن عروة بالأموي، توفي بصرخد وقد جاوز التسعين‏.‏

 الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم

ابن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بكير، أبو العباس المقدسي النابلسي، تفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقد سمع ورحل إلى بلدان شتى، وكان فاضلاً يكتب سريعاً‏.‏

حكى الشيخ علم الدين أنه كتب مختصر الخرقي في ليلة واحدة، وخطه حسن قوي، وقد كتب تاريخ ابن عساكر مرتين، واختصره لنفسه أيضاً، واضر في آخر عمره أربع سنين، وله شعر أورد منه قطب الدين في تذييله، توفي بسفح قاسيون وبه دفن في بكرة الثلاثاء عاشر رجب، وقد جاوز التسعين رحمه الله‏.‏

 القاضي محيي الدين بن الزكي

أبو الفضل يحيى بن قاضي القضاة بهاء الدين أبي المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد ابن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان القرشي الأموي بن الزكي، تولى قضاء دمشق غير مرة، وكذلك آباؤه من قبله، كل قد وليها‏.‏

وقد سمع الحديث من حنبل وابن طبرزد والكندي وابن الحرستاني وجماعة، وحدث ودرس في مدارس كثيرة، وقد ولى قضاء الشام في الهلاوونية فلم يحمد على ما ذكره أبو شامة، توفي بمصر في الرابع عشر من رجب، ودفن بالمقطم وقد جاوز السبعين‏.‏

وله شعر جيد قوي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/300‏)‏

وحكى الشيخ قطب الدين في ذلك بعد ما نسبه كما ذكرنا عن والده القاضي بهاء الدين أنه كان يذهب إلى تفضيل علي على عثمان موافقة لشيخه محيي الدين ابن عربي، ولمنام رآه بجامع دمشق معرضاً عنه بسبب ما كان من بني أمية إليه في أيام صفين، فأصبح فنظم في ذلك قصيدة يذكر فيها ميله إلى علي، وإن كان هو أموي‏:‏

أدين بما دان الوصي ولا أرى * سواه وإن كانت أمية محتدي

ولو شهدت صفين خيلي لا عذرت * وشاء بني حرب هنالك مشهدي

لكنت آسن البيض عنهم تراضيا * وأمنعهم نيل الخلافة باليد

ومن شعره‏:‏

قالوا ما في جلق نزهة * تسليك عمن أنت به مغرا

يا عاذلي دونك في لحظة * سهماً وقد عارضه سطرا

 الصاحب فخر الدين

محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن الحنا المصري، كان وزير الصحبة، وقد كان فاضلاً، بني رباطاً بالقرافة الكبرى، ودرس بمدرسة والده بمصر، وبالشافعي بعد ابن بنت الأعز توفي بشعبان ودفن بسفح المقطم، وفوض السلطان وزارة الصحبة لولده تاج الدين‏.‏

 الشيخ أبو نصر بن أبي الحسن

ابن الخراز الصوفي البغدادي الشاعر، له ديوان حسن، وكان جميل المعاشرة حسن المذاكرة، دخل عليه بعض أصحابه فلم يقم له فأنشده قوله‏:‏

نهض القلب حين أقبلت * إجلالاً لما فيه من صحيح الوداد

ونهوض القلوب بالود أولى * من نهوض الأجساد للأجساد

 ثم دخلت سنة تسع وستين وستمائة

في مستهل صفر منها ركب السلطان من الديار المصرية في طائفة من العسكر إلى عسقلان فهدم ما بقي من سورها مما كان أهمل في الدولة الصلاحية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/301‏)‏

ووجد فيما هدم كوزين فيهما ألفا دينار ففرقهما على الأمراء‏.‏

وجاءته البشارة وهو هنالك بأن منكوتمر كسر جيش أبغا ففرح بذلك، ثم عاد إلى القاهرة‏.‏

وفي ربيع الأول بلغ السلطان أن أهل عكا ضربوا رقاب من في أيديهم من أسرى المسلمين صبراً بظاهر عكا، فأمر بمن كان في يده من أسرى أهل عكا فضربت رقابهم في صبيحة واحدة، وكانوا قريباً من مائتي أسير‏.‏

وفيها‏:‏ كمل جامع المنشية وأقيمت فيه الجمعة في الثاني والعشرين من ربيع الآخر‏.‏

وفيها‏:‏ جرت حروب يطول ذكرها بين أهل تونس والفرنج، ثم تصالحوا بعد ذلك على الهدنة ووضع الحرب، بعدما قتل من الفريقين خلق لا يحصون‏.‏

وفي يوم الخميس ثامن رجب دخل الظاهر دمشق وفي صحبته ولده الملك السعيد وابن الحنا الوزير وجمهور الجيش ثم خرجوا متفرقين وتواعدوا أن يلتقوا بالساحل ليشنوا الغارة على جبلة واللاذقية ومرقب وعرقا وما هنالك من البلاد‏.‏

فلما اجتمعوا فتحوا صافينا والمجدل، ثم ساروا فنزلوا على حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، وله ثلاث أسوار، فنصبوا المنجنيقات ففتحها قسراً يوم نصف شعبان، فدخل الجيش، وكان الذي يحاصره ولد السلطان الملك السعيد، فأطلق السلطان أهله ومنّ عليهم وأجلاهم إلى طرابلس، وتسلم القلعة بعد عشرة أيام من الفتح، فأجلى أهلها أيضاً وجعل كنيسة البلد جامعاً، وأقام فيه الجمعة‏.‏

وولى فيها نائباً وقاضياً وأمر بعمارة البلد، وبعث صاحب طرسوس بمفاتيح بلده يطلب منه الصلح على أن يكون نصف مغل بلاده للسلطان، وأن يكون له بها نائباً فأجابه إلى ذلك، وكذلك فعل صاحب المرقب فصالحه أيضاً على المناصفة ووضع الحرب عشر سنين‏.‏

وبلغ السلطان وهو مخيم على حصن الأكراد أن صاحب جزيرة قبرص قد ركب بجيشه إلى عكا لينصر أهلها خوفاً من السلطان، فأراد السلطان أن يغتنم هذه الفرصة فبعث جيشاً كثيفاً في اثني عشرة شيني ليأخذوا جزيرة قبرص في غيبة صاحبها عنها‏.‏

فسارت المراكب مسرعة فلما قاربت المدينة جاءتها ريح قاصف فصدم بعضها بعضا فانكسر فيها أربعة عشر مركباً بإذن الله فغرق خلق وأسر الفرنج من الصناع والرجال قريباً من ألف وثمانمائة إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ثم سار السلطان فنصب المجانيق على حصن عكا فسأله أهلها الأمان على أن يخليهم فأجابهم إلى ذلك، ودخل البلد يوم عيد الفطر فتسلمه، وكان الحصن شديد الضرر على المسلمين، وهو واد بين جبلين، ثم سار السلطان نحو طرابلس فأرسل إليه صاحبها يقول‏:‏ ما مراد السلطان في هذه الأرض‏؟‏ فقال‏:‏ جئت لأرعى زروعكم وأخرب بلادكم، ثم أعود إلى حصاركم في العام الآتي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/302‏)‏

فأرسل يستعطفه ويطلب منه المصالحة ووضع الحرب بينهم عشر سنين فأجابه إلى ذلك، وأرسل إليه الإسماعيلية يستعطفونه على والدهم، وكان مسجوناً بالقاهرة، فقال‏:‏ سلموا إلىّ العليقة وانزلوا فخذوا إقطاعات بالقاهرة، وتسلموا أباكم‏.‏

فلما نزلوا أمر بحبسهم بالقاهرة واستناب بحصن العليقة‏.‏

وفي يوم الأحد الثاني عشر من شوال جاء سيل عظيم إلى دمشق فأتلف شيئاً كثيراً، وغرق بسببه ناس كثير، لا سيما الحجاج من الروم الذين كانوا نزولاً بين النهرين، أخذهم السيل وجمالهم وأحمالهم، فهلكوا وغلقت أبواب البلد، ودخل الماء إلى البلد من مراقي السور، ومن باب الفراديس فغرق خان ابن المقدم وأتلف شيئاً كثيراً‏.‏

وكان ذلك في زمن الصيف في أيام المشمش، ودخل السلطان إلى دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال فعزل القاضي ابن خلكان، وكان له في القضاء عشر سنين‏.‏

وولى القاضي عز الدين بن الصائغ، وخلع عليه، وكان تقليده قد كتب بظاهر طرابلس بسفارة الوزير ابن الحنا، فسار ابن خلكان في ذي القعدة إلى مصر‏.‏

وفي ثاني عشر شوال دخل حصن الكردي شيخ السلطان الملك الظاهر وأصحابه إلى كنيسة اليهود فصلوا فيها وأزلوا ما فيها من شعائر اليهود، ومدوا فيها سماطاً وعملوا سماعاً، وبقوا على ذلك أياماً، ثم أعيدت إلى اليهود، ثم خرج السلطان إلى السواحل فافتتح بعضها وأشرف على عكا وتأملها ثم سار إلى الديار المصرية‏.‏

وكان مقدار غرمه في هذه المدة وفي الغزوات قريباً من ثمانمائة ألف دينار، وأخلفها الله عليه، وكان وصوله إلى القاهرة يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة‏.‏

وفي اليوم السابع عشر من وصوله أمسك على جماعة من الأمراء منهم الحلبي وغيره بلغه أنهم أرادوا مسكه على الشقيف‏.‏

وفي اليوم السابع عشر من ذي الحجة أمر بإراقة الخمور من سائر بلاده وتهدد من يعصرها أو يعتصرها بالقتل، وأسقط ضمان ذلك، وكان ذلك بالقاهرة وحدها كل يوم ضمانة ألف دينار، ثم سارت البرد بذلك إلى الآفاق‏.‏

وفيها‏:‏ قبض السلطان على العزيز بن المغيث صاحب الكرك، وعلى جماعة من أصحابه كانوا عزموا على سلطنته‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الملك تقي الدين عباس بن الملك العادل

أبي بكر بن أيوب بن شادي، وهو آخر من بقي من أولاد العادل، وقد سمع الحديث من الكندي وابن الحرستاني، وكان محترماً عند الملوك لا يرفع عليه أحد في المجالس والمواكب، وكان لين الأخلاق حسن العشرة، لا تمل مجالسته‏.‏

توفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة بدرب الريحان، ودفن بتربته بسفح قاسيون‏.‏‏(‏ج/ص‏:‏ 13/303‏)‏

 قاضي القضاة شرف الدين أبو حفص

عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكي المالكي، ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث وتفقه وأفتى بالصلاحية، وولي حسبة القاهرة ثم ولي القضاء سنة ثلاث وستين، لما ولوا من كل مذهب قاضياً، وقد امتنع أشد الامتناع ثم أجاب بعد إكراه بشرط أن لا يأخذ على القضاء جامكية، وكان مشهوراً بالعلم والدين، روى عنه القاضي بدر الدين ابن جماعة وغيره توفي لخمس بقين من ذي القعدة‏.‏

 الطواشي شجاع الدين مرشد المظفري الحموي

كان شجاعاً بطلاً من الأبطال الشجعان، وكان له رأي سديد، كان أستاذه لا يخالفه وكذلك الملك الظاهر، توفي بحماه ودفن بتربته بالقرب من مدرسته بحماه‏.‏

ابن سبعين‏:‏ عبد الحق بن إبراهيم بن محمد

ابن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطي، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، واشتغل بعلم الأوائل والفلسفة فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد، وصنف فيه، وكان يعرف السيميا‏.‏

وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء، ويزعم أنه حال من أحوال القوم، وله من المصنفات كتاب ‏(‏البدو‏)‏ وكتاب ‏(‏الهو‏)‏، وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها ابن سمي، وجاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيما ينقل عنه أن يأتيه فيه وحي كما أتى النبي صلى الله عليه وسلم، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة، إن كان مات على ذلك‏.‏

وقد كان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم كأنهم الحمير حول المدار، وأنهم لو طافوا به كان أفضل طوافهم بالبيت، فالله يحكم فيه وفي أمثاله‏.‏

وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال والأفعال، توفي في الثامن والعشرين من شوال بمكة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 13/304‏)‏